أبي منصور الماتريدي
251
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقيل : إنها منسوخة بالفرائض . لكن هذا لا يحتمل ؛ لأنه نسخ وعد في الآخرة ، والوعد لا يحتمل النسخ ، إلا أن يعنون نسخ عين الصدقة بغيرها ، فأما الوعد فهو حالة . واللّه أعلم . وقوله تعالى : وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ . قيل « 1 » : واسِعٌ ، غنى . وقيل : واسِعٌ ، جواد ، يوسع على من يشاء . وقوله تعالى : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً . قال المفسرون : للجهاد ، خصوا الجهاد بهذا . واللّه أعلم . لأن العدو إذا خرجوا لقتال المسلمين خرجوا للشيطان ، ويسلكون سبيله وطريقه ، والمؤمنون إنما يخرجون ليسلكوا طريق اللّه تعالى ، وينصروا دينه وأولياءه ؛ لذلك كان التخصيص له لقولهم ، وإلا كان يجئ أن يسمى الطاعات كلها والخيرات ( سبيل اللّه ) ؛ لأنه سبيل اللّه وطاعته ، كقوله : الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً [ النساء : 76 ] . وقوله : ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً . اختلف فيه : قيل : ( منا ، ) على اللّه ، و ( أذى ، ) للفقير . وقيل : ( منا ، ) على الفقير ، و ( أذى ، ) له . ثم قيل : منه على الفقير عد ما أنفق عليه وتصدق ، وأذاه وتوبيخه عليه بذلك . وأما منّه على اللّه تعالى ؛ كقوله تعالى : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الحجرات : 17 ] . وقوله تعالى : لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ قد ذكرنا تأويله فيما تقدم . وقوله تعالى : قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ . قيل : قَوْلٌ مَعْرُوفٌ « 2 » ، كلام حسن ، يدعو الرجل لأخيه بظهر الغيب . وقيل : قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ، يستغفر اللّه ذنوبه في السر و وَمَغْفِرَةٌ له ، يغفر له ، ويتجاوز عن مظلمته . وقيل : قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ، الأمر بالمعروف خير ثوابا عند اللّه من صدقة فيها أذى ومن .
--> ( 1 ) قاله البغوي ( 1 / 249 ) . ( 2 ) ذكره البغوي ( 1 / 250 ) ، ونسبه للكلبي .